قراءاتي

ابن طراق.. تناقضات مجتمع..!!

ابن طراق.. رواية محلية بكافة تفاصيلها، بدءا من العنوان والغلاف، وانتهاء بالتفاصيل الصغيرة التي تملأ العمل السردي.. تشعرك أن هذه الشخصيات التي تسكنها قد تشاركك السكن في الشارع المجاور أو ربما تعمل معك في مكان ما.. تحاول أن تسقط شخصية “ابن طراق” على أحد قد يكون مقصود الروائيين الذين اختلقاه، لكنك تكتشف أنها شخصية -رغم حضورها المتميز والطاغي والذي قد لا يشبه حضور أحد غيره- تشابه الكثير من الرجال من أمثاله؛ مليونير رأسمالي متسلط يسيطر على زوجاته وأبنائه بأمواله، وكذلك كل المحيطين به الذين يتواطؤون معه ولا يكشفون أسراره ومغامراته وسهراته مع النساء وزواجاته السرية التي لا تستمر أكثر من ليلة أو ليلتين..!

تبدأ الرواية بمشهد وفاة “ابن طراق”، وتستمر سبعة فصول يكون فيها “ابن طراق” الغائب الحاضر، الذي مات وبقيت سطوته، وتأثيره على حياة الجميع يظهر بوضوح بعد موته.. ثلاث زوجات وعدد من الأبناء والبنات، كانوا بلا حضور لافت، في حياة “ابن طراق” الذي كان يبدو كأمير لحارته الطرّاقية، التي اتخذت اسمها نسبة له، فالأسماء تُمنح لصاحب المال والحضور القوي في نفوس المحيطين به.. ابن طراق كان ذاك الأب السلطوي الذي يغيّب حضور أبنائه فلا يتواجدون إلا لتنفيذ أحد أوامره أو خدمته في غرض ما من شأنه مضاعفة أمواله فحسب.. لذا كانت شخصياتهم هامشية، لا تملك الحضور الذي يملكه، بلا حرية فردية في السفر، في الهوايات، بل وحتى في الحب، كما حدث لابنه “طرقي” الذي سافر لإكمال دراسته في لندن وتعلق بالعراقية غيداء زميلة الدراسة، ولم يستجب لوصية والده قبل السفر ” تروح تدور الشهادة وتجيب الشهادة، تروح واحد وترجع واحد، تروح طرقي وترجع طرقي”. وما إن علم ابن طراق بتعلق ابنه (الذي يستطيع توفير الجواسيس على أبنائه في كل مكان بسهولة)، ذهب بنفسه وأعاد ابنه للطراقية إلى الأبد، ومنحه ملحقا خاصا يمارس فيه هواية العزف على العود.. فكان شخصية مهزوزة، لا هي التي خرجت من سطوة والده، ولا سطوة هذا التعلق الذي استمر سنوات طويلة بلا معنى..

“جبل” الذي توهم أنه بعد وفاة والده سيكون هو خليفته في كل شيء.. فحاول أن يتقمص شخصية والده، ولكنه فشل ولم يستطع كسب أقرب القلوب إليه كما فعل والده من قبله.. وبمرور الأيام تتكالب المشاكل عليه وتتعقد الأمور أكثر فأكثر، وتزداد بقوة ظهور أرملة أبيه التي كانت الأثيرة لديه “فردوس” الجميلة التي استطاعت أن تنجب له أربعة ذكور.. التي شعرت أنها بموت ابن طراق حصلت على الحرية والمال، وبذكاءها استطاعت على أن تكشف ألاعيب الابن الأكبر “جبل” الذي لم يسلم من الوشايات بموت أبيه.

في (ابن طراق) ترى بوضوح كيف تعيش بعض الشخصيات في عالمين متناقضين؛ عالم جلي طاهر، وعالم سري قذر وغريب..

الرواية تغوص في عمق الإشكاليات المحلية، من أبسطها حتى أشدها تعقيدا..

“العيارة” التي تنتشر بين أبناء الحارة لشخص ما وما تسببه له من مشاكل وما تثيره من أحقاد قد تبقى دفينة تتحين الفرصة المناسبة لها، مثل ما حصل مع (صملول/بقّ لي) وغيره..

سلطة الأب كما ذكرنا قبل قليل، وسلطة الزوج الذي يحبس زوجاته في بيت واحد وما إن يشتكون يغدق عليهن الأموال، ثم ينصرف هو للعبث مع نساء أخريات توفرهن له “لوزية” وكيلة مدرسة!

سلطة المال التي تجعل كل شيء ممكنا، وتجعل القيم والأخلاق أيقونات ضبابية، تبقى في حدود ما تحقق له مصلحة، وتفعل الشيء ذاته مع الدين الذي يتخذه ابن طراق ستارا ربما لأفعاله المشينة، فهو يحافظ على الصلاة حتى يحافظ على علاقاته مع الشيخ ابن مسمار القاضي في المجكمة، ويتصدق على فقراء الحارة في المناسبات الدينية كرمضان وعيد الفطر وخلافه.. صدقة هي أشبه بالكرنفال الذي يعزز شعبيته وسلطته لدى الجميع، وفقده الناس بموته، حيث أن ابنه الأكبر “جبل” الذي يظن أنه استلم زمام الأمور من بعد والده، كان بخيلا جدا، مما نفر الناس من تكرار الحضور..

السلطة الاجتماعية المتمثلة في قضية العنصرية التي لا تكاد تنتهي في مجتمعنا (القبيلي، الخضيري، العبيد).

تظهر هذه القضايا الاجتماعية بحبكة رائعة جدا في الرواية، تجعلك تؤمن بأن كل شخصية جاءت في المكان المناسب وبالشكل الصحيح تماما.. لا شيء زائد أو ناقص.. وهذه أعظم ميزة في الرواية البناء السردي وطريقته التي كانت تجعل إحدى الشخصيات تطل عليك بعد كل مشهد تقريبا، ليكذب الروائيين أو يعترض عليهما أو يفشي سر شخصية أخرى ويشي بها، فهذا سر الرواية الأكبر “الوشاية”..! وفي نهاية الفصل يطل أحد الروائيين وربما كلاهما، ويحدثك كصديق لماذا كتبا هذه الرواية وكيف؟ كل ذلك خلال 55 مقطع وسبعة فصول. (وهذا التكنيك السردي أضاف للرواية جمالا لا يوصف)

بقي أن نقول أن الرواية صدرت عن دار أثر بالتعاون مع الدار العربية للعلوم ناشرون، للروائيين بدر السماري و محمد السماري. غلاف الرواية الجميل يحمل صورة للمصور السعودي مصلح جميل ومن تصميم الفنان سامح خلف. تقع الرواية في 432 صفحة شيقة جدا.

 

سؤال أخير: ماذا لو كانت ابن طراق عمل درامي..؟ لكن بدون أن يتدخل في الموضوع حسن عسيري وميساء مغربي 😀

Advertisements

One thought on “ابن طراق.. تناقضات مجتمع..!!

  1. من جد روايه جداً رائعه سمعت قرأت عنها ف جريده الرياض ف احد الملاحق الثقافيه ؟ وحرصت ع شرائها ؟؟ ولم اقرأها الا منذ ايام ؟؟ رووووووايه مشبعه  لمن هو جائع لهكذا ابداع ، كتاب هذي الروايه اجااادوا في جعلنا نعيش هذه الروايه واجوائها بشغف نقلب الصفحه تلو الصفحه وكأننا نفتح ابواب احد القصور لاكتشاف كنز او شي جميل ، لا ادري حسيت اني ب الجو  تذكرت اغنيه يارا وفضل ؟؟ خدني معك ؟؟ حتي اني حقدت بجد ع هالاب المختل المنفصم الشخصيه ؟؟ مختل العقل؟؟ وفعلا ً كثير نماذج ف هالمجتمع ع هالشاكله ف كل نواحي الحياه، لكن السؤال ؟؟ شلون يكون شخصين يكتبو هالروايه ب انسجام او لا ادري توافق شي لا استطيع تسميته شي جميل كون ٢ لا اعلم تاه المعني لم استطيع التعبير ، شكراً بدر شكراً محمد شكرا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s