رؤى

وأد الأطفال حتى متى..؟!

أطفالنا نقدمهم قربانا لمن..؟!

 

نتحين الفرص للحديث عن طفولتنا وبراءتها.. يأخذنا الحنين لتلك الأيام الجميلة التي يبهجنا بها أي شيء.. حتى لو كان هدية بسيطة جدا جاءت مع قطعة حلوى..

ونحن أنفسنا –الذين نبدو للقارئ الآن- بغاية العذوبة والرقة؛ نقتل براءة أطفالنا بكل استهتار ولا مبالاة.. ثم نقول مبعدين اللوم عن أنفسنا –كالعادة- “عيال هالوقت ما فيهم براءة”..!! لوتعودون بالزمن قليلا للوراء ستجدون أن هذه العبارة قيلت عنكم أيضا : )

براءة الأطفال تجيء معهم هبة ربانية نحن من يحافظ عليها أو يقتلها..!!

ما زال طفل اليوم نقي تبهجه الأشياء البسيطة حتى لو كانت بالونا سيطير بعد ساعة أو سينفجر خلال لحظة ترعبه لتمنحه بعدها ضحكات بريئة وصافية..

الأطفال لم يتغيروا.. نحن تغيرنا.. لم نكن كالأجيال السابقة أكثر أناة وصبرا.. حين يبدأ الطفل في الصياح نحاول أن نعطيه أي شيء ليسكت حتى لو كان ذلك خطرا عليه.. كالجوال مثلا.. (تأملوا جوالات الأمهات تجدونها مشوهة بالخدوش.. ملوثة والطفل يضعها في فمه دائما للأسف)..!!  يكبر الطفل قليلا فنسكت صوته وأسئلته بقنوات تلفزيونية غير تربوية وليست هادفة.. تبادله الصراخ بصراخ.. لذا بات الطفل  يمل سريعًا من ألعابه ويكرهها لأنها ليست كالجوال المتجدد، وإدمانه للتلفاز يعلمه ثقافة الاستهلاك والطلبات غير المحدودة بما يعرضه من منتجات مغرية وإعلانات تجعل كل شيء سهلا يأتيك فقط بطلبه من والدك الذي يقترض به أن يكون حنونا ومثاليا أكثر من هذا الأب الجميل في الإعلان، الذي لا يقول لا..!!

وما إن يكبر الطفل قليلا وقلبه معلق بالتلفاز حتى ينوعون له الطرح، ويقدمون له أغاني أطفال! بعض هذه الأغاني تقدم رسائل سامية لا أنكر ذلك لكنها لا تجذب سوى الصغار الذين لا يلتقطون هذه الرسائل (مثل قناة طيور الجنة).. ولأن القنوات وشركات الإنتاج تبحث عن أشياء أكثر سحرا يمكنها أن تسحر به الكبار والصغار معا، كالطفلة (حلا الترك) التي أحبها الجميع بسبب براءتها وعفويتها في ظورها الأول.. ثم ما لبثت هذه البراءة أن اختفت وقتلت بوضع المكياج على وجهها الجميل، وجعلها مصطنعة بحركات بعيدة عن براءة الأطفال بشكل نفّر بعض الأطفال منها –وهم قلة للأسف- وانتشرت أغانيها التي تقدم رسائل سلبية للأطفال مثل: (بابا نزل معاشه)، (بنيتي الحبوبة)، (طفشانة.. زهقانة)..

(ماذا لو كانت رسالة الأغنية الأولى أن الأب يتحين فرصة استلام راتبه ليفاجئ أبنائه بما يحبون، وإذا طلبوا منه شيئا يعلمهم كيف يحاولون الادخار للحصول عليه، بمساعدته طبعا.. سيتعلم فن الادخار الذي سيستفيد منه طيلة حياته، ويتعلم كيف يخفف عن والده ولا يرهقه اقتصاديا، وكيف يمكن أن يستفيد من مصروفه بدل أن يضيع منه في أشياء لا تكاد تذكر!)

وأغنية ثانية تعلن تمردها على الأم وخداعها بالتظاهر بالنوم ثم التسلسل والعبث بأغراضها الخاصة!

والأغنية الأخيرة (التي استفزتني لكتابة هذه التدوينة) يتم فيها تكرار كلمة “طفشانة.. زهقانة” بطريقة مزعجة.. حين يتم تكرار الكلمة السلبية كأغنية في اليوم عشرات وربما مئات المرات، بالإضافة إلى تصوير الأغنية الذي ينتهي بهرب الأطفال من البيت (أي رسالة يمكن أن تصل من هذا الكليب..؟)

بالنسبة لتكرار الكلمات السلبية، بدون هذه الأغنية –وحسب دراسة لا أعلم مصدرها ولا صحتها- أن الطفل حين يصل إلى عمر 18 سنة يكون قد تلقى 150000 رسالة سلبية في حياته مقابل 600 رسالة إيجابية!! تأملوا ضخامة الفارق وتأثير ذلك مستقبلا عليهم.. السلبية موجودة لا يمكننا أن ننكر ذلك، والعالم كل يوم يطالعنا بأخبار محزنة من جميع الجهات.. لكن لنحاول أن نجعل عالم أطفالنا جميلا بحدود معقولة، مع إطلاعهم على بعض ما فيه من سلبية حتى يكونوا في الصورة الواقعية ويعرفون ما يعانيه الأطفال الآخرون الذين يعيشون على كوكبهم ذاته.. ولكن في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة!

 

هل نقتل أطفالنا بهذا فقط..؟! لا بل تمادينا أكثر ووضعنا في يد كل منهم جهازا ذكيا يحمله 24 ساعة في صحوه ومنامه.. ثم نشتكي من اضطراب أكلهم ونومهم وضعف تحصيلهم الدراسي، والأدهى والأمر كرههم للدراسة ولبعض المظاهر الاجتماعية والمناسبات سواء كانت دينية أو عائلية.. بما نبعثه من رسائل، يرسلها البعض ويعيد إرسالها وهو يضحك معتبرا إياها نكتة، لكنها تحمل إشارات سلبية كثيرة.. تجعل الطالب يكره الدراسة، صحيح أن الدراسة لم تكن محبوبة من قبل، ولن تكون محبوبة من بعد.. لكننا لم نكن نذهب للمدرسة وكأننا مجبرين على ذلك! يستقبل الطالب المدرسة بعد أن وصلته مئات الرسائل والصور التي تسخر من الطالب الذي سيذهب للمدرسة في يومه الأول وتلك التي تسخر من المعلمين والمعلمات وكذلك تسخر من الأم والأب.. (ثم نطلب منه الاحترام!!) رسائل عديدة تسخر من الطالب المجتهد الحريص على درسه وحل واجباته.. (وفي آخر العام نعاتبهم إذا كان مستواهم التحصيلي أقل مما يجب..!!) نبث رسائل سلبية عدة، نعلمهم من خلالها الكذب والتناقض.. نحن حزينون على أيامنا التي مضت، لأنها كانت بريئة صادقة لطيفة نقية.. ثم نشوه أيام أطفالنا بأيدينا..!! لماذا نفعل هذا..؟ 

 

طبعا لا يعني حديثي هذا أني ضد الهواتف الذكية مع الأطفال بشكل مطلق..! هذا غير منطقي، ولكن من غير المنطقي أن تكون متاحة لهم 24 ساعة.. تحديد استخدامها بأوقات معينة أفضل بكثير، وتنويع الترفيه لدى الأطفال أفضل بكثير لأنه يزيد من مهاراته وينوعها.. لو غرسنا في الطفل عادة القراءة، والألعاب الحركية والرياضة إلى جانب الألعاب الإلكترونية استطعنا أن ننمي لديه عدة مهارات.. إذا ناقشناه بما يصله من رسائل وما رأيه فيها، بطريقة ذكية بحيث لا يشعر وكأنها استجواب، فيجيبنا الجواب الذي نرغب بسماعه (انتبهوا الأطفال أذكى مما نتصور).. مناقشتنا له تجعله يكوّن رأيا نقديا، يفكر بما يقرأ وما الذي يعجبه ولا يعجبه.. وما الذي يراه منطقيا أو لا..!! أن تمنح الأم أبنائها بعض الوقت تحكي لهم قصصا كما كانت الأمهات يفعلن قديما.. فتنشأ بينهن علاقة غير علاقة الحب الطبيعية بين الطفل وأمه.. ويتعلم من هذه القصص الكثير، سواء في طرق التواصل مع الناس ويعرف كيف يتحدث معهم أو الرسائل غير المباشرة المضمنة في النصوص، وتستحث خياله، وقد تجعله يبتكر نهايات جديدة للقصص وما إلى ذلك.. (هذه القصص أثرها يبقى مع الطفل حتى يكبر، لا ينسى حنان أمه أثناءها ولا ينسى تلك القصص أبدا تكون محفورة بذاكرته بطريقة مدهشة)..

هناك نماذج قادرة حتى في هذا الزمن على جعل أطفالها يحبون القراءة، يمارسون أنشطة يحبونها وتضيف لهم مهارات متنوعة، قادرة على أن تحمي أطفالها من النهم الاستهلاكي المريع.. لذا تفاءلوا واصبروا، فالتعامل مع الطفولة ليس بالسهولة التي تتخيلونها.. ولكن كلما تعبت أكثر كلما كانت راحتك أكبر لاحقا وكان ابنك فخور بك جدا لأنك حميته من الكثير من السلبيات وجعلت حياته أفضل : )

 

مصدر الصورة

Advertisements

4 thoughts on “وأد الأطفال حتى متى..؟!

  1. للأسف .. حلا مثال محزن لاغتيال الطفولة وإفسادها، دمية استولى عليها مجموعة من الأشباح الذين يخدمون مصالحهم ويدعمون توجهاتهم، يصدرون التمرد وقلة الأدب لأجيالنا الصغيرة، ماذكرتيه يا ابتسام هو جزء من الوأد وإلا فللصورة بقية؛ فإضافة إلى المعاني السلبية التي ترسلها تأملي معي حلا في تصديرها لقيمة العفاف لبناتنا؟ وماذا عن القيم؟ هل مثلت الإسلام لأطفالنا؟ حين أتفكر في مستقبلها من خلال واقعها فإني-وكلي أسف-لا أتخيلها مثالا نفتخر به، وأخشى أن تلحق بالسابقات اللاتي كن سببا في ضياع أمتنا، اللهم احفظها من كل سوء واهد أبويها لما فيه خير لها ولدينها ولأمتها

  2. كلام جميل جدا وواقعي .. عسانا نكون ممن يثري أطفالهلاممن يطمرهم بكرمه الزائد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s