قراءاتي

كل الأسماء.. ولا اسم..!!

هذه الرواية كروايات ساراماغو، تحتاج لتركيز شديد ومضاعف منك أثناء القراءة، فهي رواية بلا أسماء، وبلا أماكن معينة ومعروفة.. هي رواية تصلح لأي مكان وزمان.. وكأنها تعنى بالإنسان فقط وما يفكر فيه، وما يتأمله، وما يشعر به من تناقضات شخصية، أو ما يمكن أن يعانيه من فساد بعض المنظمات.. أيا كان نوع هذا الفساد.. وهذا ما نشعر به أثناء قراءة رواية “العمى” ورواية “كل الأسماء” التي نحن بصدد الحديث عنها.. في “كل الأسماء” تماما كما “العمى”: سرد متعدد الأصوات، بلا فواصل بين الحوارات التي تبدو متداخلة، سخرية ونقد للذات والأحداث حولها، وإتقان تفاصيل الشخصيات.. ولكن الفرق أن رواية “كل الأسماء” احتوت اسمًا واحدًا فقط؛ ألا وهو اسم الشخصية الرئيسة في النص “دون جوزيه”.. وهذه إحدى مفارقات الرواية، التي تحمل عنوان (كل الأسماء)، ولكنها في الحقيقة بلا أسماء..! ومدخل الرواية المأخوذ من كتاب التجليات ينبؤنا السبب: “أنت تعرف الاسم الذي أطلقوه عليك، ولكنك لا تعرف الاسم الذي هو لك“..! ربما تفسر لنا هذه المقولة ذلك القول الذي نردده دائما، وقد لا يتطابق مع البعض: “لكل امرئ من اسمه نصيب!” فقد تكون هذه الأسماء مطلقة عليهم، لكنها ليست لهم..!

نعود للرواية التي تبدأ من داخل مبنى “المحفوظات العامة للسجل المدني”.. المبنى الذي يحتفظ بكل الأسماء.. للأحياء والأموات على حد سواء.. يصف لنا “دون جوزيه” هذا المبنى برتابته، وبالبيروقراطية الحكومية المعهودة..! “دون جوزيه” هو الشخصية الرئيسة في الرواية، هو موظف مغمور يؤدي عملاً روتينياً لا يتغيّر. لا نعرف عنه سوى المقطع الأول لاسمه “جوزيه” فالراوي يخبرنا عن كنيتين له في سجل الولادات الموجود في المحفوظات العامة إحداهما كنية أبيه، والثانية كنية أمه لكننا لا نعرفهما والسبب كما يقول: “عندما يُسأل دون جوزيه عن اسمه، أو عندما تتطلب الظروف أن يقدم نفسه، أنا فلان الفلاني، فلن يفيده في شيء النطق بالاسم كاملاً، لأن محادثيه لن يحتفظوا في ذاكرتهم إلاّ بالكلمة الأولى، جوزيه، والتي يضيفون إليها أو لا يضيفون بعد ذلك كلمة (دون)” ص17 
إنه في الخمسين من عمره ولا نعرف شيئا عن ماضيه.. سواء طفولته، أو مراهقته. هو وحيد.. لا عائلة له.. لا أهل.. لا أصدقاء، وبلا حب أو قصة حب غابرة.. وكأنه حين أطلعنا على اسمه أطلعنا على حياته بخلاف تلك المرأة التي ظهرت بطاقتها فجأة في حياة “جوزيه”.. الذي كان يسكن في غرفة ملاصقة لمبنى المحفوظات العامة، يفصله عنها باب يستخدمه في مغامراته الليلية للتسلل إلى المبنى ليحضر بطاقات المشاهير، ويسنسخها في سجل خاص به، فقد جمع ما يقارب 100 اسم من المشاهير وبعض المعلومات عنهم، ويتنبأ بأحداث حياتهم المستقبلية.. وكأن هذه الهواية الغريبة هي تسليته الحيدة والتي تقطع بعض الرتابة التي يعيشها.. وفي أحد الأيام حين رغب بسحب خمس بطاقات للمشاهير، اتضح أنه سحب ست بطاقات عن طريق الخطأ، وكانت البطاقة السادسو لامرأة مجهولة، يحار “جوزيه” في أمره.. هل يعيد هذه البطاقة، أم أنه يبحث عنها.. وقرر البحث عن هذه المرأة المجهولة فتغيرت حياته كلية.. وكأنه بهذا البحث المتأخر عن ما يشغل حياته، أخيرا قرر البحث عن ذاته.. فبدأت تأملاته للحياة من حوله والموت والتحولات التي تطرأ على الإنسان.. بسبب هذه المرأة المجهولة التي يبحث عنها “جوزيه” دون أن تعلم هي بوجوده حتى، بدأ الجميع يلحظون شروده، وعدم انضباطه، ومرضه الذي كان بسبب مغامراته الليلية التي أوصلته للمدرسة التي درست فيها هذه المرأة حين كانت طفلة..! تتساءل وأنت تقرأ هذه الرواية: أتراه أحب هذه المرأة..؟ حتى “دون جوزيه” نفسه لا يعلم لماذا يبحث عنها، فكان يحدث نفسه: “ربما لن أكلمها عندما أجدها أمامي، إذا كانت هذه هي الحال، فلماذا تبحث عنها، لماذا تتحرى عن تفاصيل حياتها، إنني أجمع أوراقاً عن المطران أيضاً ولست مهتماً بالتحدث إليه يوماً، يبدو لي الأمر ضرباً من العبثية، إنها عبثية” وبعد أن أوشك على الاقتراب من هذه المرأة، ورؤيته لها تنزل من إحدى الحافلات –أو إيهامنا بذلك- تموت المرأة منتحرة..! مما يدفع “جوزيه” لمزيد من البحث عنها، وكأنها اكتسبت أهمية أكبر بعد وفاتها.. وكأنه أراد منحها بعض الاهتمام الذي لا يجده العامة من الناس، على خلاف المشاهير الذين كان يجمع معلوماتهم وينسخها في سجله الخاص.. المشاهير لا سر في حياتهم، ولكن العامة، حياتهم غنية ومملوءة بالأسرار المجهولة حتى عن أقرب المقربين لها: زملاء العمل، الأم والأب، عرّابتها.. لا أحد يعرف سرها..! فانتهى المطاف بجوزيه دون الحصول على أي شيء سوى المزيد من الألغاز الذي أضاف لها مدير المحفوظات العامة المزيد من الغموض، حين اكتشف ما يقوم به “جوزيه” وطلب منه إعادتها للحياة، وإتلاف شهادة الوفاة، وإبقاء بطاقتها في قسم الأحياء، وكأنه بذلك يخلدها..! دون أن نفهم نحن القراء مغزى هذا البحث الذي لم يصل إلى لحظة التنوير، بل انتهى بالتزوير..!!

التزوير الذي حدثنا به “جوزيه منذ الصفحة الثانية للرواية، حين قال: [هذا يعني أنه لا مناص للكتبة من أن يعملوا دون راحة منذ الصباح حتى الليل، بينما يعمل المأمورون بين حين وآخر، ونائبا المدير في أوقات متباعدة جدا، أما المدير فلا يكاد يعمل على الإطلاق. الحركة الدؤوبة المتواصلة للثمانية الذين في المقدمة، الذين ما إن يجلسوا حتى ينهضوا، ويبقوا دائمي الركض من الطاولة إلى منضدة الكونتوار إلى خزائن البطاقات، ومن خزائن البطاقات إلى الأرشيف، مطررين دون راحة هذه المشاهد والتوليفات وغيرها أمام لا مبالاة رؤسائهم، سواء الرؤساء المباشرون أو البعيدون، هي عامل لابد منه لفهم كيف كان ممكنا وسهلا بصورة مؤسفة اقتراف التجاوزاتـ والمخالفات، وممارسات التزوير التي تشكل المادة المركزية لهذه القصة].

ولو تأملنا غلاف الرواية لوجدنا أنه يوحي بالفكرة التي يحدثنا عنها “جوزيه.. العنوان “كل الأسناء” والصورة تحوي وجوها متنوعة ومختلفة.. وكأنه يقول صورتك هي هويتك المعبرة عنك أنت ذاتك، وليس اسمك..

“كل الأسماء” رواية للمبدع “جوزيه ساراماغو” الحاصل على نوبل للآداب عام 1998 وترجمة الرائع “صالح علماني.

من مطبوعات دار طوى، الطبعة الأولى 2011

**

مقتطفات من الرواية

“ليس هناك ما يرهق الإنسان أكثر من اضطراره إلى النضال، ليس ضد روحه بالذات، وإنما ضد تجريد ما”

كم شخصًا يشكّلون الزواج؟ اثنان، الرجل والمرأة. لا يا سيدي، هناك في الزواج ثلاثة أشخاص، هناك المرأة، وهناك الرجل، وهناك ما أدعوه الشخص الثالث، وهو الأهم، الشخص الذي يتشكل من الرجل والمرأة معًا“.

“يخيل إلي أن حياة المتزوجين، الحياة المشتركة، هي أشبه بعدسة مكبرة، ويخيل إلي أنه لا وجود لتحفظات أو أسرار قادرة على الصمود لوقت طويل أمام مجهر المراقبة المستمرة”

“الضمائر تصمت أكثر مما هو مطلوب منها، ولهذا ابتدعت القوانين“.

” في المحفوظات العامة لا يمكن رؤية كيف تغيرت الوجوه أو كيف هي آخذة في التغير، في حين أن هذا هو بالضبط الأمر الأكثر أهمية، ما يبدله الزمن، وليس الاسم الذي لا يتبدل مطلقًا”.

الصور القديمة تخدعنا كثيرا، توهمنا بأننا أحياء فيها

الأحياء يستطيعون الانتظار، أما الموتى فلا“.

“الناس عموما لا يكونون عادلين، سواء مع أنفسهم، أو مع الآخرين”

 

Advertisements

2 thoughts on “كل الأسماء.. ولا اسم..!!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s