رؤى

أريد أن أقرأ.. ولا أستطيع

..

أريد أن أقرأ، ولكن … 

كم مرة قلت هذه العبارة..؟ وكم مرة سمعتها من أصدقائك وأقربائك..؟

 

عدد لا بأس به من الأصدقاء قالوها لي، وسألوني إن كانت هناك وصفة سحرية تعينهم على القراءة، سأحاول البحث معهم عن هذه الوصفة بالإجابة عن هذه الأسئلة

 لماذا أقرأ..؟ ماذا أقرأ..؟  متى أقرأ، وأين..؟ كيف أقرأ، وأستفيد مما قرأت ولا أنساه..؟!

 

لماذا أقرأ..؟

“اقرأ” كلمة يجدر بها أن تكون شعار حياتنا، كيف نفاخر بين الأمم أن أول كلمة أوحي بها لنبينا الأمّي هي كلمة “اقرأ” ونحن لا نقرأ، وبتنا أمّيين ثقافيًا..!!

“اقرأ”.. فتغيّر بعدها العالم.. نحن نقرأ.. لنتغير، لأن التغير هو سنة الكون.

البعض قد يقول: أخشى أن أقرأ فأتأثر سلبيا بسبب بعض الأفكار الخبيثة في الكتب (كما يقال يدسون السم بالعسل).. الجواب ببساطة: إذا كنت لا تقرأ فأنت أول من يتجرع هذا السم..! اقرأ لتكوّن لعقلك حصانة يستطيع من خلالها التمييز بين السم والعسل.. ولا يمكن لأحدهم أن يخدعك..

والبعض الآخر يقول أخشى أن أقرأ فيعتزلني أقراني، فالقارئ من وجهة نظره شخص معقد منغلق على ذاته، يرتدي النظارة السميكة ولا يتسطيع الاندماج مع أبناء مجتمعه..!! القراءة لا تعزلك عن الآخرين إلا إذا اخترت أنت ذلك! اقرأ حتى تساهم في تغيير النظرة السلبية عن القارئ العربي، الذي لا يقرأ سوى دقائق معدودة حسب إحصائية مازالت تنشر في الشبكات الاجتماعية، ولم نستفد منها سوى التحسر على وضعنا مقارنة بغيرنا من أفراء العالم المتقدم.. ماذا لو أمسكت كتابا وبدأ بقراءته بدل هذا التحسر الذي يزيد الأمور سوءًا..!!

 

وقبل البدء أقول لك -عزيزي القارئ- بصراحة، القراءة ليست عملية سهلة وممتعة دائما..! لن أكذب عليك وأرسم لك عالما ورديًا لتحب القراءة.. وأقول لك بأنها إحدى الهوايات التي قد يمارسها البعض وتسقط عن الباقين؛ كالسباحة وجمع الطوابع.. القراءة ضرورة، وهي كالرياضة.. عملية شاقة تحتاج منك لبعض المران حتى تعتادها..

فنحن نقرأ لأننا نحتاج للمعلومات وللمعرفة دائما.. المعلومة التي تصلنا من المتخصصين والباحثين، المعلومة التي قد لا نجدها سوى في الكتب والمجلات العلمية والثقافية، وأحيانا في الأفلام الوثائقية. من أراد أن يجمد عقله يستطيع الاكتفاء بما ينقله له الآخرون حسب فهمهم. وهذه المعلومات والمعرفة متعددة المجالات.. فأنت تحتاج لأن تقرأ في الدين، والتاريخ، والسياسة، والفلسفة، وعلم الاجتماع، وغيرها.. مثلما تحتاج القراءة في مجال تخصصك وعملك أو المجال الذي يستهويك أكثر.. (وفي هذا إجابة لسؤال لماذا أقرأ؟) كما أن القراءة قد تكون للتسلية والمتعة، وزيادة الحصيلة اللغوية، كقراءة بعض الروايات والدواوين الشعرية، فهي قد تكون معرفة وتاريخ لكن جيئت بقالب مسلّي.

 

متى أقرأ، وأين..؟

أنت وحدك من يستطيع الإجابة عذى هذا السؤال، بعد أن تعرف الأوقات التي يكون فيها تركيزك مرتفعا، ويمكنك القراءة بلا تعب. خصوصا إذا كان كتابا يحتاج منك بعض التركيز والانتباه. وكذلك بالنسبة للأماكن؛ فالبعض منا قد يتأثر بالضوضاء فلا يستطيع التركيز إلا في مكان هادئ تماما، بينما الآخر يمكنه القراءة في مقهى أو في محطة انتظار.. وجميل أن تحاول القراءة في أي مكان، حتى تتمكن من استغلال دقائق الانتظار الكثيرة التي قد تمر بك.. يمكنك في بعض الأحيانا إنهاء كتاب كامل في غرفة انتظار في مشفى مثلا..! أو في الطريق للعمل (بالنسبة للسيدات السعوديات خاصة)، فلا تضيّع هذه الفرصة. لذلك من المهم أن تحتفظ بكتب في سيارتك أو في حقيبتكِ، ولا تنسَ الكتب أثناء السفر..

 

كيف أقرأ، وأستفيد مما قرأت ولا أنساه..؟!

قد يكون هذا السؤال هو الأهم، ويُعرف بـ الطقوس القرائية التي تختلف من شخص لآخر.. ولكني سأحاول كتابة بعض ما أقوم به، وأسعد باستقبال المزيد من الطرق التي تعيننا على الاستفادة مما نقرأ.

– يمكنك وضع جدول شهري لقراءاتك، لنقل كتابين أو أكثر (حسب قدرتك واستطاعتك، ولا تحمل نفسك أكثر مما تستطيع ثم تترك القراءة تماما إذا فشلت في تحقيق الهدف الضخم). واحرص على تنويع الموضوعات والمؤلفين.

– خصص لنفسك فترة زمنية للقراءة، نصف ساعة يوميًا مثلا، والتزم بها لتكون القراءة إحدى عاداتك، وتتمكن لاحقًا من زيادة هذه الساعات حسب جدول أعمالك.

– ابدأ بقراءة الكتب السهلة القصيرة، كالمقالات، والقصص القصيرة، واسأل أصدقاءك القراء عن الكتب التي تكون مناسبة للبدء فيها (وقد أتحدث في تدوينة منفصلة عن مثل هذه الكتب لاحقًا).. حتى لا تبدأ بكتاب معقد أو يحتاج لقراءة كتب تسبقه، ثم تكره القراءة فتحجم عنها للأبد..!!

– ضع على الكتاب تاريخ اقتنائك للكتاب والمكان الذي ابتعته منه، حتى يسهل عليك تذكر مكان الشراء لو سألك عنه أحدهم. كما يمكن أن تكتب تاريخ قراءة الكتاب ومتى انتهبت منه. (تفيدك هذه الطريقة حين تعود لقراءة الكتاب مرة أخرى بعد سنوات، وتستطيع أن تعرف ما الذي تغير في أفكارك ورؤيتك للكتاب وما جاء فيه)..

– اقرأ والقلم في يدك (سواء كان قلم رصاص أو حبر أو أقلام التظليل الملونة).. وإذا كنت لا ترغب في تشويه الكتاب (سواء كان الكتاب مستعارا أو أنك تحب أن تبقي على كتبك نظيفة جدا) يمكن أن تضيف الملصقات الملونة مع القلم، حتى تكتب ملاحظة أو تعليقا على ما قرأت.. هذه الطريقة تساعدك جدا في تثبيت معلوماتك حول ما تقرأ.. قد يكون لديك سؤال، أو اعتراض على رأي الكاتب يمكنك أن تناقشه وتكتب اعتراضاتك أثناء القراءة، قد يصادفك مصطلح تسمعه لأول مرة ولا يوجد له شرح في الهامش، سيكون من الجيد أن تكتب تعريفا مبسطا لهذا المصطلح في كتابك أو في تلك الملصقات.

– يمكن أن تكتب رأيك وما استفدته من الكتاب في الصفحة الفارغة أول الكتاب أو آخره.. أو تكتب فيها بعض الاقتباسات التي أعجبتك أو الإشارة إلى أرقام صفحاتها، حتى يسهل الرجوع إليها. ومن الجيد أن تحرص على كتابة رأيك بعد الكتاب، حتى لو كان مجرد انطباعا شخصيًا، ليس بالضرورة أن تكتب قراءة نقدية وتحليلية للكتاب وأفكاره. وقد يساعدك في ذلك موقع Goodreads.com

– لتحافط على ذاكرة جيدة عند قراءة الكتاب، إذا قرأت معلومة ما أو موضوعا ما سبق وأن قرأت عنه في كتاب آخر، يمكنك الإشارة إليه وكتابة عنوان الكتاب الآخر، حتى تستطيع التذكر لاحقا بأن هذه الكتب تحدثت عن هذا الموضوع، فيسهل الرجوع إليها بعد ذلك. أو يسهل عليك توصية زميل لك بقراءة كتاب ما أو تجنبه إذا كان بعيدا عن الموضوع الذي يريد القراءة حوله.

– أهم الطرق التي تتحقق من خلالها الاستفادة من الكتاب –والتي لا تحصل كثيرًا للأسف- مناقشة ما قرأت مع مجموعة من زملائك المثقفين، سواء من قرؤوا الكتاب ذاته، أو قرؤوا كتابًا آخر في الموضوع ذاته. هذه النقاشات توسع مداركك حول موضوع الكتاب، كما أنها تبيّن لك ما قد خفي عليك، وقد تكون أنت من ينبّه زملائه على نقطة غابت عنهم عند قراءة هذا الكتاب.

قد لا يتوفر لك في بيئتك زملاء يناقشونك في الكتب التي قرأتها، لا تقلق.. فالانترنت والشبكات الاجتماعية الآن صارت شبيهة بصوالين ثقافية تشرع أبوابها على الدوام. (خصوصا الشبكة الاجتماعية الخاصة بالكتب التي أشرت لها سابقًا Goodreads )

وإذا لم تجد من يجعلك تحب القراءة من صغرك، لا تكن مثله، حاول أن تجعل القراءة عادة محببة لدى أبنائك منذ الصغر، واجعلهم أن يعتادوا رؤيتك تقرأ حتى تكون لهم قدوة في ذلك : )

 

ببساطة

القراءة.. أن تبدع أكثر

Advertisements

10 thoughts on “أريد أن أقرأ.. ولا أستطيع

  1. في الحقيقة تدوينة رائعة تشتمل على نصائح مهمة وقيمة، أرجو أن تلقى اهتمام كل من يمر هنا أو أن تعيها أذن واعية.
    ربما بالفعل كل ما ينقصها هي القراءة ، القراءة الواعية المتأملة التي عندما ابتعدنا عنها سهُل على الناس خداعنا والتغرير بنا، وأصبحنا ننقاد وراء الآخرين بلا استخدام لعقولنا لأننا عودناها على الخمول والإهمال، واستسهلنا أن نرمي الأمور وعواقبها على غيرنا فليفكروا عنا وليقرروا عنا وليفعلوا عنا وربما فليقرءوا عنا.
    عندنا ابتعدنا عن اقرأ التي هي أول ما نزل من الحق اختلف ثقافاتنا ورآنا وحتى سرائرنا فلم تعد نقية لأن البعد عن القراءة قد عكر صفوها.
    النصائح التي ذكرتِها هنا قيمة وأنصح باتباعها.
    موضوع غاية في الأهمية وأعتذر عن الإطالة

  2. مقال رائع أستفدت حقيقةً من قراءته وحفِظته بالمفضلة لأرجع إليه ، ولم أكن أريد أن أغادر دون أن أترك شُكرٍ عظيم لمن سطًر هذه الكلمات ، وإن كنت أتحفًظ على نقطة واحدة فقط ولكن لايهمً ، لأن من الطبيعي أن القناعات تختلف بين البشر .. لكن لنطلب دائماً من الله سبحانه أن يأخذ بأيدينا للطريق القويم .. وأن يعلًمنا ماجهلنا .. وأن ينفعنا بما نقرأ .. وجُزيتِ خير الجزاء ،،

  3. جميل جدا ، تعليقي على نقطتين :
    الأولى :هي فقرة تخصيص نصف ساعة معينة في اليوم للقراءة ، من تجربة مع أي هواية أن تحديد وقت معين قد ينفر من الهواية نفسها لأنه يجعلها كالحِمل أو الواجب المدرسي الثقيل ،
    أُفضل أن لا يمر اليوم دون أن أمارس هذه الهواية في أي وقت ومتى أقبلت النفس ، فالنفس تُقبل وتعرض.

    ثانيا : بالنسبة لتثبيت المعلومات التي نقرأها ، وجدت أفضل طريقة لتثبيت المعلومة هي إلقاء تقديم للكتاب وتلخيصه أمام الزملاء لكن للأسف أنها نادرة ، وأيضا تكرار قراءة الكتاب ، وحاليا أحدد الأشياء المهمة في الكتاب ثم أعيد قراءة التحديد بعد نهاية القراءة أو كتابتها في كشكول خاص ، وعموما النسيان هو العدو الأول ومقتنع أن المعلومة ما لم يتشربها العقل الباطن كمعرفة لا كمعلومة محضة فالنسيان سيكون مصيرها مهما حاولت 🙂

    يعطيك العافية

  4. تدوينة جميلة .. ابتسام
    القراءة مهمة جدًا في جميع نواحي الحياة .. أحاول أن ازرع حب القراءة فيمن حولي و لو بقراءة جزء يسير كل يوم ..
    لأنني على يقينٍ تام بأن القراءة هي مفتاح بناء الأمم و انفتاحها على ثقافات الأمم الأخرى .

    الشيء الذي يلفت نظري هو رأي بعض الناس في كتاب معين وأنه لم يستطع اكماله لسوءه او للسرد الممل الذي واجهه عند القراءة .. دائمًا ماأرد عليهم بأن الكتاب سواء كان جيدًا أم سيئاً هو في النهاية ليس مضيعة للوقت ربما تستفيد من حكمة في سطر او تكتشف معلومة جديدة في سطرٍٍ آخر .

    الشيء المحزن والذي أعاني منه هذة الفترة ابتعادي عن القراءة والملل المفاجئ الذي أصابني ..
    لكن سأطبق نصيحتك في البداية وهي نصف ساعة يومية مخصصة للقراءة

    موقع قودريدز جدًا ممتاز من ناحية تدوين تواريخ قراءتك لكتاب والمدة المقررة لإنهائه ، والتنظيم الجيد للكتب التي قرأتها والتي ستقرأها مستقبلًا ..
    الإقتباسات أيضًا .. هذا الموقع بمثابة ملاحظات صغيرة على هامش كتاب 🙂

    1. أشكرك على هذا التعقيب الجميل، وبالنسبة للبعد عن القراءة يمكنكِ العودة والتعرف على أصدقاء جدد في القودريدز حتى يحفزوكِ للعودة كما كنتِ : )

  5. شكراً جزيلاً على هذه المدونة الجميلة. فالحقيقة أن الإنسان هو أعظم مخلوق خلقه الله وأكرمه وهو المخلوق الوحيد المالك العقل المتطور عن سائر المخلوقات. لقد أعزة الله وكرمه بخزينة لا تنضب من التفكير ولإدراك والإستيعاب والمقارنة بين الأشياء، ومعرفة الحقائق والتمييز بين الأمور في ما يرى ويسمع ويعقل…الخ.
    ولقد أعجبت كثيراً بهذه المدونة لجميلة في القراءة بشكل عام وخصوصاً أهم الطرق التي تتحقق من خلالها الاسفادة من الكتاب.
    وفي الختام أقول لقد حباكم الله سبحانه عقولاً مثل الآخرين وعليكم الاستفادة منها فيما يعود عليكم وعلى أمتكم بالخير العميم. لا تجعلوا لليأس مكاناً في حياتكم واعلموا أن الفشل ليس إلا كبوة جواد تخلق التفوق واستعينوا واسعينوا واستعينوا بمفاتيح النجاح الثلاث(مستحيل) مفتاحها جرب (صعب)مفتاحها حاول (لا أعرف)مفتاحها تعلم.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s