قراءاتي

ساق الغراب ،، تاريخ مغيّب تستعيده حكايات شعبية!

.

يستهل «يحيى أمقاسم» روايته بمشهد مقتطع من الفصل الثاني المعنون بـ«فحولة إلى حين»، الذي يوحي بأن هذه القبيلة أو العشيرة باقية ومتسيدة إلى حين. وهو مشهد منتقى بعناية، إذ تحبس عباراته الأنفاس خوفا على ذاك الصبي الذي أخطأ في عملية ختان نفسه، حين أراد أن يثبت للجميع بأنه رجل، وخوفا من تلك الأنفاس التي تطارد ذلك الصبي لتشي بأمر عشيرة «عصيرة» التي لا تستجيب لأوامر «الإمارة» الموجودة في «صبياء».

ومن هنا يتضح لنا الزمن التقريبي للرواية الذي يعود إلى بداية سيطرة الدولة السعودية على المدن والقرى. وهذه الرواية تعطينا لمحة تخيلية ربما عن منطقة لم يذكرها التاريخ، وعن فترة لم يصلنا منها إلا أن الدولة استولت على بعض المناطق التي تؤول إلى تغير تدريجي بدأت علاماته تلوح في الأفق كما تنبأت الأم «صادقية»، الشخصية الأبرز في هذه الرواية: «حياتنا تتغير كثير.. فعينكم بعيالكم لأنهم بعد زمن يهجون مشايم ويخلّون بلادهم.. يهجون ورا دولة.. يطاردون ورق».
لم يكن التغيير سهلا على «عصيرة»، القرية التي اختارت أن تتبع الطبيعة/الأنثى، يعيش سكانها حياتهم بهدوء وسكينة، يبذرون الأرض ويحصدونها رجالا ونساء جنبا إلى جنب مثلما يرقصون جميعا معا في احتفالاتهم في صورة تعكس القوانين الخاصة التي اتخذتها «عصيرة» لنفسها حتى في العشق، فمن يعشق فتاة ما، وتمكنه من نفسها ويكتشف أمرهما يتزوجها، ولا يقتل! وحين تغير الزمن كما تشير «صادقية» من بداية الرواية يكون أول المقتولين بسبب الحب ابنها «سبيع».
ومع الزحف المدني، بدأت قوة «عصيرة» تتهاوى إثر قرارات المنع المتتالية التي اتخذتها الدولة في محاولة للحد من تفاقم قوة تتعارض – وفق المنطق المدني ـ مع السلطة المركزية التي حظرت احتفالات الختان التي تحييها «عصيرة» لتعلية شأن المختون الذي أصبح رجلا تعتمد عليه القرية والقبيلة في نمو شأفتها، ثم منعت اختلاط الرجال بالنساء، فحُرم الرجال من أن يستمدوا قوتهم من «صادقية» المرأة التي حكمت قريتهم بعد وفاة زوجها «مشاري» حين لم يتجاوز ابنها «عيسى الخير» الـ15 من عمره، وهي التي ضحت «ببصرها» لقاء «بصيرتها» لتحمي «عصيرة».
هل هذه الرواية تعلي مكانة المرأة، وتخبرنا أن المرأة سابقا حصلت على حقوق لم تنلها في الزمن الحاضر مثلا؟ ربما كانت كذلك، لكنها في موضع آخر تبين أنه وفي «عصيرة» هناك من ينظر نظرة دونية للمرأة: «لقد شذبت الإمارة مباهجهم العظيمة، وأنهتها حينما اعتمدت على رجال معينين يسيرون في القرى ويقومون بختان كل من يجدونه دون ختان، وكان في هذه الطريقة من الذل البالغ ما لا يمكن وصفه لدى القبائل، إذ تعني لهم تلك الطريقة مساواة الفتى بالبنت».
«ساق الغراب».. الجبل الذي تبسط «عصيرة» سيطرتها عليه، هو عنوان الرواية الذي يوحي بغرائبية لمن لا يعرف المنطقة وجغرافيتها، فكأنه اسم خرافي لأسطورة ما، كأن دلالة الاسم تشير إلى قصص وأمثال شعبية وأساطير اتكأ عليها أمقاسم في سرده!
«ساق الغراب» هو الجبل الذي اختار «حمود الخير» أن ينتحر فيه تنفيذا لوصية أبيه حين لم يجد من الرجال من يقدره حق قدره، وهو المكان الذي ادخرت فيه الأم «صادقية» أموال القرية التي وجدتها «شريفة» فأيقنت أن «عصيرة» لم تنته بعد، ثم حاولت بعثها من جديد بخيط رفيع من الزرع بينها وبين الجبل، كأنه حبل سري يعيد الحياة لـ«عصيرة» التي اعتادت أن تدفن الحبل السري لأبنائها في أماكن مختلفة إيمانا بأسطورة شعبية تقرر مصير هذا الشخص يتحدد بمكان دفن حبله السري!.
يذكر للرواية أنها حين اعتمدت على الأغاني والأمثال الشعبية لم تتركها دون شرح يعين القارئ الجاهل بالمكان والبيئة على فهم ترميزها التاريخي والنفسي والفني .

ابتسام المقرن – جريدة شمس

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s