رحيل ،،

يا من أحييت برحيلك الأشياء..!!

والدي فاجأنا كثيرا حين تلقى خبر وفاة عبد العزيز بصبره وثباته.. في اللحظة الأولى التي أخبرناه فيها أننا لم نجد عبد العزيز قال:”إنا لله وإنا إليه راجعون”طمأن أمي وقال لها: “اذكري الله”.. بقيت أمي تسأل الله أن يلطف بحالها وبحال عبد العزيز.. كانت تخشى أن يكون مخطوفا.. تردد: “اللهم لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه”.. “اللهم لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه”.. “اللهم لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه”.. “اللهم لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه”.. توضأت وصلت وطلبت الله أن يكتب الخير.. تحدث أحدهم أن حادثا حدث قبل ساعات!!.. فأيقنت أمي أنه هو!.. لأنها تقول: “ولدي وأعرفه، ما يروح أي مكان بدون ما يعلمني”.. نقلت أمي قناعتها لنا جميعا بأنه هو الذي تعرض لهذا الحادث البائس.. ولكنا كنا نخشى من أن يقولوا بأنه الآن في العناية!!.. بعد ساعة تقريبا تبين أن عبد العزيز في الثلاجة!!.. لم نتمالك أنفسنا، ولم نستطع التوقف عن البكاء!.. في الساعة الثانية بعد منتصف الليل.. كانت أركان البيت تئن من هول الفاجعة!.. حمدنا الله كثيرا أنه لم يكن مخطوفا أو مصابا إصابة بالغة تجعله ميتا دماغيا أو معاقا طيلة حياته أو متخلفا عقليا..ولكنا حزنا كثيرا على فقده.. وكثيرا لا يمكنها أن تصف شيئا مما نشعر به!!.. والدي كان ثابتا، لكنه كان يحاول أن يمنع دموعه.. وليته لم يفعل.. بكى حين رآه في المغسلة بعد أن غسلوه وكفنوه.. والدتي تهاوت على الأرض حين رأته.. احتضنتُ جسده وقبلتُه على جبينه كنت أرغب من التأكد من أن جسده بخير وأنه لم يفقد شيئا من جسده.. كنت أخشى أن يكون تألم كثيرا قبل موته.. لأننا حتى صباح الجمعة وحتى بعد أن دفنوه لا نملك الكثير من التفاصيل.. ولا نملك إجابات للأسئلة التي تدور في رؤوسنا!!.. لم نسأل سوى سؤال واحد “أين عبد العزيز؟”.. هذا فقط ما يعنينا، أي شيء آخر ليس مهما.. يسألوننا: من صدمه؟ لا ندري.. هل يسرع؟ لا ندري.. يفحّط؟ لا ندري.. سعودي؟ لا ندري.. كبير، صغير؟ لا ندري.. حينها قال والدي للجميع: لا أريد أن يحدثني أحد عن الفاعل، ولا عن الحادث كيف تم؟.. كل هذا لا يعيد لي ابني، وكل هذا كلام ماض لا معنى له!.. وأمّنا جميعا على كلام والدي ما عدا عمي، لكنه لم يحسن سوى الصمت أمام قناعة والدي تلك!.. بعد يومين تقريبا وبعد أن بدأت أستوعب ما حدث.. سألتهم من الذي رآه في الثلاجة وتعرف عليه بأنه هو؟.. أخبروني بأنه عمي ولكنه منع أبي وأخوتي من رؤيته لأنهم لن يتحملوا ما رآه.. عاد عمي إلى البيت منهارا.. تقول لنا زوجته بأنه يبكي كالطفل لهول ما رأى!.. رأى كسرا في جمجته ورأى كل ما في دماغه خارج جمجمته ورآهم يحاولون أن يخيطوا هذا الجرح ليتوقف النزف! ولم يتوقف حتى أثناء الغسيل!.. وأخبره الطبيب أو شخص آخر بأن عبد العزيز تعرض لكسر حاد في الجمجمة وكسور في العمود الفقري.. خبأت على أمي هذه المعلومة حين عرفتها.. وحين عرفت من إحدى صديقاتي التي يقع بيتها خلف هذا الشارع تماما وكان أخاها ممن رأو عبد العزيز لكنه لم يستطع التعرف عليه حين سألوهم من يكون هذا الولد؟.. بسبب الدم الذي غطى وجهه.. لم أخبرها أنهم رأوه يصطدم بالسيارة ويبتعد مسافة 3-4 أمتار ثم يسقط بشدة على الشارع.. وبأنه ارتعش قليلا ثم سكن تماما!.. نسيت بأن تبليغ الوفاة سيخبرهم كل شيء.. وسيقول بأن المذكور وصل المستشفى ميتا!.. وبأن سبب الوفاة هبوط في الدورة الدموية والتنفسية بسبب كسر خلفي في الجمجمة!.. فقرأت والدتي كل هذا!.. هذه الأيام تغيّر حال والدي كثيراأصبح لا يتحدث مع أحد إلا عن عبد العزيز.. لا يفعل شيئا سوى تأمل صورة عبد العزيز.. كلما سمع صوت الأذان قال: الله يرحمك يا عبد العزيز، كان لا يذهب إلا معي.. خرجت معه قبل يومين لأحد الأسواق، واستغربت الطريق التي سلكها!.. لم تكن هذه الطريق الأقرب إلى السوق.. لكنه أراد أن يرى مدرسة عبد العزيز ليتوقف كما كان يقف حين يوصله كل صباح ويقول: هنا يقف عبد العزيز ويلوّح لي!.. مررنا بـ إكسترا وقال: كم كان يحب هذه المحلات ويحب الذهاب إليها.. وبعد قليل قال: عند هذا الحلاق أخذته لأول مرة قبل وفاته بأسبوع، كان لا يحب الحلاق القديم الذي يذهب إليه.. وبعد أن جرب الآخر، قال لأبي: خذني إلى هذا الحلاق في المرة القادمة… ولم تكن هناك مرة قادمة، كانت هي المرة الأولى والأخيرة!!.. مررنا بمكتبة، فقال والدي من هنا يحب أن يشتري أقلامه ودفاتره.. تمنيت لو أني قلت لأبي: يكفي! أرجوك يكفي. لأجلك لا لأجلي.. ولكني لم أجرؤ على ذلك.. كنت أتمتم بـ الله يرحمه وتغرق بعض الحروف بدمعي الذي أحاول أن يكون مكتوما بلا صوت ولكني لا أستطيع أن أمنع تلك الدمعة من أن تبلل وجهي وتغرق صوتي.. في كل الشوارع كنت معنا يا عبد العزيز.. في كل الزوايا كنت معنا يا عبد العزيز.. في كل الأماكن نسمع صوتك ورأيك وما تحب وما تكره يا عبد العزيز.. والدي متعب يا عبد العزيز.. نقص وزنه كثيرا خلال أسبوعين فقط.. عيناه تغير شكلها كثيرا.. وظهر سواد تحت عينيه لم أره فيهما أبدا.. أصبح لا يحب أن يقطع عزلته أحد.. أخشى على والدي جدا.. ليته يفضفض ويبكي براحة أخشى بأن تدمره تلك الغصة!!.. حين رأيت والديّ على هذه الحال يا عبد العزيز.. فهمت معاني عبارات العزاء التي كنت أرددها وأسمعها دون أن تعني لي أي شيء.. حين يقول الناس: عظم الله أجركم.. حين تصبرون على ما أصابكم لكم من الله أجر عظيم وكأنهم يذكرونك بهذا الأجر لتصبر وهذا يعزيك ويصبر قلبك فعلا.. أحسن الله عزاءكم: فعلا لا يحسن الناس العزاء، ولن يتمكنوا من ذلك مهما فعلوا.. لأنهم لن يبقوا معك كل الأيام، لن يبقى معك سوى الله.. أو جبر الله قلوبكم، شعرت بوالديّ قلوبهم مكسورة! ولن يتمكن من جبرها سوى الله.. قالها جدي ثلاثا حين دخل بيتنا صباح يوم الجمعة (الله يجبركم، الله يجبركم، الله يجبركم) وصوته كان يرتجف وهو يقاوم رغبته بالبكاء. واثقة من أن والدي سيزورك كل جمعة في المقبرة وسيقرؤك السلام. وتسمعه وتأنس بوجوده وربما تبتسم ابتسامتك الجميلة تلك.. لكن والدي لن يراها! ………………………………………………………….. يوم الخميس 30-4-2009 بعد وفاة عبد العزيز رحمه الله بأسبوعين..
……………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………….
Advertisements

12 thoughts on “يا من أحييت برحيلك الأشياء..!!

  1. حديثك و رصفك للكلمات بسلاسة عزف على أوتار قلبي معاني الحزن و الأسى !أسأل الله عز وجل أن يرحمه برحمته و أن يجمعكم مع فقيدكم في جنات عدن عند مليك مقتدر .

  2. أجمل ما في الذكريات عن الأشخاص القريبين أن عذبها يبقى في الذاكره إلى الأبد ومرها يمحى من الذاكره إلى الأبد.رحمه اللهأخوكي MAJ

  3. جزاكِ الله خيرا الهنوفووفقكِ الله في مشروع التخرجمدونتكِ أنيقة ومرتبة جداما شاء الله..MAJصدقت البعد يجعلنا نتذكر كل ما هو جميل فقط

  4. كم أغرقتني الدموع ابتسام!رحم الله عبدالعزيز.. وعظّم الله أجركم وجبر مصابكم..ويالألم الفقد!دعائي لكم جميعًا..أحلام

  5. غاليتي أبكيتيني بعمقأجعلي الصبر طريقك فعمق هذه المصيبة ستخفف حدة المصائب القادمةكوني قوية وعظم الله أجركم

  6. الله يرحمه ,, ما أدري والله أيش اكتب لك ,, الكلام عمره ماوصل الشعور بصدق لكن كلامك عن أخوك من جد نزل دموعي لا آرادي ,, من كلامك عنه حسيت أنه قريب مني الله يرحمه ويغفر له ( الله يجبركم , الله يبجركم , الله يجبركم )الجوهرة

  7. يالمرارة حرفك هنااويالقوة وقوعه على جراحيليس لنا الا القول رحمه الله واسكنه فسيح جناته

  8. اختي الجوهرة.. تعجز الكلمات عن التعبير أعلم ذلكشكرا لكِ.أختي وصايف.. نعم لا حول ولا قوة إلا بالله والحمدلله على كل حال

  9. عظم الله أجركم وأحسن الله عزائكم كل ابن انثى وان طالت سلامته يوما على آلة حدباء محمول.عبدالله المقرن

  10. نزلت دمووعـــنآآآ عليك ياعبدالعزيز كلآآآمك يبكي الحجررر

    الله يجعلك بجنآآت الفردووس ويصبركم على فرآآآآقه

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s