قراءاتي

خزي!

ما الذي جعل “ديفيد لري” يشعر بالخزي؟
هل شعر بذك حين اكتشف أمر علاقته بطالبته التي تصغره بثلاثين عاما؟
أم حين حوكم أمام لجنة خاصة، ورفضه إعلان الندم والتوبة أمام الجميع، مما حدا به لتقديم استقالته وترك المدينة والانتقال إلى الريف ليسكن مع ابنته في المزرعة؟
أم حين شعر بأنه يشيخ، ولم يعد مثار إعجاب أحد؟
كان يشعر بأنه يتمادى في علاقاته، وأنه يتجه للشيخوخة ورغبات الحياة تمنعه من أن يكف من ممارسة اللعبة.
لذا “تساءل، ترى، في أي عمر خصى أوريغن نفسه؟ ليس هذا بالحل الحسن، غير أن التقدم في العمر ليس أمرا حسنا. على الأقل فليتأهب للتفكير في القيام بالعمل المناسب لرجل عجوز: أن يعد العدة للموت”.
هل كان بحاجة لرصاصة رحمة كتلك التي تطلقها بف شو على الكلاب والحيوانات التي يريد أهلها التخلص منها.
ديفيد لري بروفيسور مساعد في مادة الاتصالات وعالم لغوي، في منتصف العمر، مطلق مرتين، يضاجع إحدى الغانيات كـ حل لمشكلة الجنس، حتى حدثت صدفة ما جعلتها تترك عملها وتعود لزوجها وأولادها وترفض مضاجعته وتنكر معرفتها له
ثم تغيرت فتاته حيث أقام علاقة مع إحدى طالباته التي تصغره بثلاثين عاما تقريبا، لأن همه الفتيات الجميلات، ويعتقد (أن جمال المرأة لا يخصها وحدها. إنه جزء من الهبة السخية التي تجلبها إلى العالم. ومن واجبها أن تتقاسمها) وحين أخبرته أنها تقاسمتها مع أحدهم للتو؟ قال: (إذن عليك أن تتقاسميها على نطاق واسع).

يُـكتشف أمر هذه العلاقة وتتقدم الفتاة “ميلاني” وأهلها بشكوى ضده، وتتغير حياته رأسا على عقب..
يختار أن يعترف بذنبه دون أن يعلن التوبة والندم، فيقدم استقالته لينتقل للعيش مع ابنته في الريف ويعيش معها في مزرعتها الحياة البسيطة
يحاول أن يتأقلم مع هذه الحياة المختلفة كلية عن حياته، يهتم لأمر الكلاب التي يعدونها لتستقبل رصاصة الرحمة، وليؤلف موسيقى عن بايرون وحبيبته.
يتعرض منزل ابنته للهجوم من قبل ثلاثة فتيان سود من جنوب أفريقيا، يسرقون سيارته وبعض ما احتواه المنزل من أجهزة، ويحاولون حرقه، ويغتصبون ابنتهويشعر بأنه عاجز عن مساعدة ابنته.يخرج المعتدون وترفض ابنته أن تتحدث عن حادثة الاغتصاب، تتكلم فقط عن السرقة!
كان موقف ابنته غريبا، كما كان موقفه غريبا حين رفض أن يعلن ندمه، وحين رفضت أن تتحدث عن هذا الموضوع وحين رفضت أن تبلغ الشرطة بهذه الحادثة
استسلامها كان غريبا على فتاة شعرنا أنها قوية وأنها قادرة على إدارة شؤونها بنفسهاكانت تشعر أن بتروس الذي أصبح مالك الأرض التي عليها مزرعتها، له علاقة بالأمر
وكانت واثقة بأنها لن تحصل على حقها، في بلد كـ جنوب أفريقيا!
ربما كان يحاول هذا الإفريقي أن يذلها بصفتها المرأة الوحيدة البيضاء هنا.

شعوره تجاه ابنته جعله يتفهم أخيرا موقف أهل “ميلاني”، لذا يذهب لوالد الفتاة ويعتذر له ولوالدتها ويجلس على ركبتيه عله يتحرر من الخزي الذي شعر به، ويلاحق ابنته الآن.

(رأيه الخاص الذي لا يصرح به، هو أن أصل الكلام هو الغناء، وأصل الغناء يكمن في الحاجة لملء الروح الإنسانية الشاسعة والخاوية بالصوت)
لذا قال لوالد ميلاني (أنه كان لا يملك الغناء ليتمكن من الاعتذار)!
هل أصبح يملكه الآن؟!
كان يقول بأن مهنته تجعله يتعلم.. (أن من يأتي ليعلـِّم يتعلم أقسى الدروس، في حين أن الذين يأتون ليتعلموا لا يتعلمون أي شيء) لكنه لم يتعلم سريعامن التجربة التي حصلت لابنته، يبدو أنه كان بطيء التعلم!
ابنته لم تكتفِ بعدم التبليغ على ما حدث، ولكنها تصر على الاحتفاظ بالطفل الذي حملت به بعد عملية الاغتصاب الشنيعة التي حدثت لها، كانت تريد أن تحتفظ به لتبقى تحت حماية بتروس!
في نهاية الرواية تشعر بـ لري بدأ يتغير، أحب كلبا يشبه الكلب الذي يحمل الغلاف صورته (جروا ذكرا ذا قائم خلفي أيسر ذاو يجره خلفه. ولم يكن يدري إن كان قد ولد على تلك الخليقة. ولم يُبد أي زائر اهتماما بتبنيه. وكانت فترة قبوله قد انتهت وقريبا سوف يتلقى الحقنة.
أحيانا، وهو يقرأ أو يكتب، كان يُطلِقه من القفص ويدعه يطفر، بطريقته الغريبة حول الفناء، أو يغفو عند قدميه. إنه ليس “ملكه” بأي معنى؛ لقد كان من الحرص بحيث يمتنع عن إعطائه اسما ((وإن كانت بف شو قد أشارت إليه باسم “دريبوت”؛ ومع ذلك، كان يشعر بحب ضاف يتدفق إليه من الكلب. لقد اختير ليتبناه، اعتباطيا، بلا تحفظ؛ سوف يموت الكلب لأجله، كان متأكدا.
كان الكلب مفتونا بصوت البانجو. وحين كان يضرب الأوتار، ينتصب الكلب، وينصب أذنيه، ويصيخ سمعه. وحين يهمهم غناء تيريزا، وتبدأ الهمهمة تمتلئ بالمشاعر ((وكأن حنجرته تثخن: كان يستطيع أن يشعر بضرب دفق الدم في حنجرته))، كان الكلب يتلمّـظ بشفتيه ويبدو وكأنه يوشك أن يغني بدوره، أو يعوي.
هل يجرؤ على فعل ذلك: أن يضم الكلب إلى المقطوعة، ويسمح له أن يحرر نحيبه نحو السماء بين المقطوعات الشعرية التي تلقيها تيريزا المحروقة من حبيبها؟ ولِـم لا؟ طبعا، في عمل لن يرى النور، كل شيء مسموح به؟)

كان هذا الكلب يحمل رقم 24، وقد سبقه للإعدام ثلاثة وعشرون كلبا، وفصول الرواية أربعة وعشرون!

(حمله بين ذراعيه كحمل، وعاد فدخل غرفة العمليات. قالت بف شو “ظننت أنك ستوفره مدة أسبوع آخر. أتتخلى عنه؟”

نعم، إنني أتخلى عنه؟)
.
وانتهت الرواية بهذه الجملة التي تشعر أنها قيلت بأسى، بحزن شديدما الذي تخلى عنه “لري” أثناء تخليه عن هذا الكلب؟
.
الرواية بحق مدهشة، تدعوك للتأمل والتفكير
أنصحكم بقراءتها.

الرواية للكاتب جون ماكسويل كويتزي والتي حصلت على جائزة البوكر عام 1999م، وهي من ترجمة أسامة منزلجي، الطبعة العربية الأولى صادرة من دار الجندي للنشر والتوزيع عام 2002.
.
.
.

ابتسام المقرن
.
30/ 3/ 2009

Advertisements

One thought on “خزي!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s