قراءاتي

هل نحن عميان نرى..؟!

.
.
العمى“..
رواية تجعلك متيقظا منذ الصفحة الأولى..
ومنزعجا من الازدحام المروري الشديد وأبواق السيارات التي تستغرب بقاء هذه السيارة واقفة بعد أن أضاءت الإشارة الخضراء..
يرون سائقها يتلفت ويحرك يديه بطريقة عشوائية،
وحين اقترب منه البعض لمساعدته ولفهم سبب وقوفه، سمعوه يردد: أنا أعمى.. أنا أعمى.. وهنا كانت المفاجأة..
كيف أصيب بالعمى فجأة، ربما يتوهم العمى.. ربما يعاني من مشكلة ما.. تقرأ لتفهم كيف أصيب بهذا العمى المفاجئ..!!
يساعده أحد المارة ويوصله إلى بيته، ويركن سيارته قرب العمارة التي يسكنها هذا الأعمى..
يصعد معه إلى شقته، يفتح له الباب، وكان يهم بالدخول معه.. لكن الأعمى منعه من ذلك، وشكره موضحا: بأنه يعرف بيته..
وما دفعه لذلك سوى الحذر من هذا الشخص الغريب الذي يريد الدخول مع شخص أعمى لشقته..
ولكن الأعمى نسي أمر مفاتيح السيارة ليسرقها ذاك الشخص..
شدتني العبارة التي كان يقولها هذا الشخص للأعمى: لا تشكرني، فاليوم دورك.
ليجيبه الأعمى: نعم أنت على حق، قد يكون دورك غدا..هل يقصد دوره في المساعدة أم يقصد دوره في العمى المفاجئ..؟!
تقرأ.. وتفاجأ بأن هذا الشخص جاء دوره فعلا، وأصيب بالعمى..!!
تتساءل هل هذا العمى معدٍ..؟! لماذا..؟! وتفاجئك الرواية بأن الطبيب الذي قصده الأعمى الأول عمي أيضا، وكل من قابله يصبح أعمى، وهكذا.. فيطل سؤال آخر: هل سيطال العمى كل من في المدينة..؟ هل سيتمكنون من معرفة السبب والعلاج..؟
المحير في الأمر والمشوق أيضا أن تبقى زوجة الطبيب مبصرة..
هي الوحيدة المبصرة.. هي التي تبقى لتراقب هذه الفوضى التي تحل بالمدينة شيئا فشيئا..
تراقب هذا الدمار الذي يزداد وضوحا كلما ازداد عدد العميان..
كنت أقرأ واعتقدت أن الناس سيكونون ألطف، وأكثر تهذيبا.. لكن ما كشفته لي هذه الرواية أن الناس لا يتغيرون.. وربما يكفون قليلا في البداية عن ارتكاب الأخطاء (أو المزيد منها)، وحين يألفون مصيبتهم يعودون للتصرف كما كانوا.. طالعتنا الرواية بشاب يحاول أن يتحرش بفتاة، وعصابة عمياء تبتز العميان الآخرين للحصول على المال والمتعة الجنسية مقابل الطعام، والطبيب الذي أقدم على خيانة زوجته رغم علمه بأنها ترى.. يمكن أن يكون نسي ذلك لأنه أعمى وجميع من حوله عميان.. نسي بأنها الوحيدة التي تمتلك القدرة على مراقبة هذا الوضع..
هذه المرأة هي المبصرة الوحيدة في الرواية، بل وفي المدينة كلها.. هي الوحيدة القادرة على مراقبة هذا الرعب..ومراقبة هذه الفوضى.. تحاول أن تؤمن للجميع ملامح حياة كريمة.. (الطعام والملابس النظيفة)..
وتتساءل بينها وبين نفسها: لماذا لم أصب بالعمى؟ ونتساءل معها أيضا: هل ستصاب بالعمى؟ ومتى؟ لماذا لم تصب بالعمى حتى الآن..؟ربما لأننا من خلالها نرى هذه الرواية؛ أو نرى الرواية بعيونها.. نرى هذه الفوضى..
ونراقب هذا الوضع.. لهذا بدأ روايته بعبارة من كتاب المواعظ: إذا كنت تستطيع أن ترى، فانظرإذا كنت تستطيع أن تنظر، فراقب..
وكأنه يهيئنا لمراقبة ما سيحدث، بما أننا لازلنا قادرين على الرؤية، وقبل أن تنتهي الرواية بأربع صفحات تقريبا، وحين استعاد الأعمى الأول بصره، قال الطبيب: (يبدو أننا وصلنا إلى نهاية العمى) ص 375.
وكأن المؤلف يقول لنا: استعدوا فقد وصلنا إلى نهاية الرواية.
ما لفت نظري في هذه الرواية:-
تبدأ الرواية بـ ثلاث كلمات (أنا أعمى: I am blind) ص 14، وتنتهي بـ كلمات ثلاث أيضا (أستطيع أن أرى) ص 378..
– محاولة تفسير ما حدث من زوجة الطبيب أعجبتني جدا، (لا أعرف لماذا عمينا، فربما نكتشف الجواب ذات يوم. أتريد أن أخبرك برأيي. نعم، أخبريني. لا أعتقد أننا عمينا، بل أعتقد أننا عميان، عميان يرون، بشر عميان يستطيعون أن يروا، لكنهم لا يرون) ص 379.
وكأنها بذلك تشير إلى أن العمى عمى البصيرة، وليس عمى البصر.
– الجمل الطويلة في النص، الحوارات التي لا تفصل بين السائل والمجيب..
وقد يكون هذا الأسلوب صعبا في البداية على القارئ، ولكن يعتاد عليه القارئ مع الوقت ويألفه.. ويجده أسلوبا جميلا..
– هذه الرواية بلا أسماء أبدا، شخصيات النص، والمدينة أو الدولة، كل شيء مبهم..
ربما يريد أن يقول لنا: أن هذه حقيقة البشر جميعا في كل مكان، فهذا الشخص قد يكون أنا، أنت، وغيرنا،..
لم نكن نعرف أسمائهم نعرف فقط (الأعمى الأول، الطبيب، الفتاة ذات النظارة السوداء، زوجة الطبيب، الطفل الأحول، …).
– ومثلما جاء المكان مبهما، كان الزمن مبهما أيضا.. لا تعرف متى حدثت هذه الرواية..
– اهتم المؤلف بالتفاصيل الصغيرة كـ الرائحة، والأصوات..
وجعلنا نشعر بالجو الفوضوي الذي يسود المدينة بعد أن فقدت كل من يمكنه التحكم فيها.
– الأمثال التي عرضها “جوزيه ساراماغو” في الرواية، أقرؤها وأعتقد بأني سمعتها من قبل، وبأنها تشبه أمثالا أعرفها..
أتساءل هل الترجمة هي من غيرت صياغة هذا المثل.. أم أن الكاتب اختار أن يعيد صياغة المثل برؤيته الخاصة.
فهي تبدو مألوفة وغريبة في الوقت نفسه.. (عندما يحاول الأعمى أن يتجاوز نفسه فإنه ينجح في كسر أنفه) ص33.
رواية العمى، للكاتب البرتغالي “جوزيه ساراماغو“، الذي ولد عام 1922 بمنطقة أريناغا (وسط البرتغال).
والذي أصدر روايته الأولى “أرض الخطيئة” عام 1974، وتوقف عن الكتابة ما يقارب العشرين عاما، ليصدر ديوانه الشعري الأول “قصائد محتملة” عام 1966. وقد أصدر نحو عشرين كتابا، ويعتبره النقاد واحدا من أهم الكتاب في البرتغال.
أشهر رواياته:
وجيز الرسم والخط (1976).
ليفنتادو دوتشاو (1980).
الإله الأكتع (1982).
سنة موت ريكاردو ريس (1984).
الطوف البحري (1986).
العمى (1995).
حصل على جائزة نوبل في تشرين الأول 1998.
والطبعة العربية الأولى لـ رواية العمى صدرت عام 2002،
وهي من إصدارات دار المدى للثقافة والنشر في 379 صفحة من القطع المتوسط، وترجمة محمد الحبيب.
.
.
ابتسام المقرن
22/3/2008
.
.
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s