رؤى

عندما تكتب المرأة ..

عنـدما تكـتـب المـرأة..

قد يقرأ “فلان”من الناس قصيدة أو قصة أو خاطرة أو أي جنس من أجناس الأدب, فيعجبه النص كثيرا ويمتدح كاتبه ويشيد بقدرته الفائقة على الوصف والتصوير, ثم يعلم أن الكاتب امرأة, فيدفعه شيء ما للبحث عن النص ليعاود قراءته مرة أو مرتين وربما أكثر, ليبحث عن أي تصرف لا يعجبه أو أي كلمة لا تروق له, فيوجه لها أصابع الاتهام, لأنه ينظر لما تكتبه المرأة وكأنه وثيقة اعتراف تكتبها بخط يدها لتعلن للجميع أنها ارتكبت خطيئة أو اقترفت ذنبا, فيبدأ التحليل التأويلي المزاجي لمحتويات النص..
وكل هذه الأفكار والظنون السيئة مصدرها ذلك[القانون التاريخي الذي يمنع المرأة من تعلم الكتابة, القانون الذي صاغه(خير الدين بن أبي الثناء) في كتابه الموسوم بـ (الإصابة في منع النساء من الكتابة), وفيه يوصي قائلا:(أما تعليم النساء القراءة والكتابة فأعوذ بالله, إذ لا أرى شيئا أضر منه بهن, فإنهن لما كن مجبولات على الغدر كان حصولهن على هذه الملكة من أعظم وسائل الشر والفساد, وأما الكتابة فأول ما تقدر المرأة على تأليف الكلام بها, فإنه يكون رسالة إلى زيد ورقعة إلى عمر, وبيتا من الشعر إلى عزب وشيئا آخر إلى رجل آخر, فمثل النساء والكتب والكتابة, كمثل شرير سفيه تهدي إليه سيفا, أو سكير تعطيه زجاجة خمر, فاللبيب من الرجال من ترك زوجته في حالة من الجهل والعمى فهو أصلح لهن وأنفع).
هذا الكلام ليس سوى رقية سحرية لتحصين مملكة الرجل اللغوية ودفع المرأة عنها لكي تظل الكتابة احتكارا ذكوريا, وهي للرجل زينة تجمله وترفع من قدره مثلما أنها حق طبيعي, أما الكتابة للمرأة فإنها مثل السيف بيد المجنون والخمرة بيد السكير. إن المرأة والكتابة ثنائي خطر ولابد للرجل أن يحترس من هذا الشر المحتمل وذلك بمنع المرأة من تعلم الكتابة.](1)

إذن, كان الرجل منذ القدم يمنع المرأة من تعلم الكتابة, والآن ليس باستطاعته منعها من تعلم الكتابة, ولكنه منعها (أو حاول منعها) من ممارسة الكتابة الأدبية الإبداعية, وليرتاح منعها حتى من قراءة النصوص الأدبية خشية أن تغريها فتحاكيها ويحدث المحظور وتنسى المرأة واجباتها التي خلقت من أجلها؛ فبرأيه أن المرأة عليها فقط الاهتمام بواجباتها المنزلية حسب موقعها في الأسرة..
فتشعر المرأة بمحاولات الرجل في تغييبها عن عالمه التي تتوق لدخوله لتعرف ما الذي يجري فيه؟

ما الذي يجعل الرجل يحافظ على سرية عالمه وتغليفه بالغموض لهذه الدرجة..؟! فيستيقظ حب الاستطلاع وفضول المرأة الذي لا يهدأ إلا حين يعرف كل شيء, فتعمل بدهاء لتصل إلى ذلك العالم المجهول, تتحايل.. تكتب ما تشاء.. في أي وقت تشاء دون أن يعلم ذلك الرجل..

قد تكتب باسم مستعار لا يمت لها بصلة, فيتولد داخلها شعور بالانتصار على ذلك الرجل الذي ظن أنه وأدها بطريقة غير مباشرة, فتقول له في كل نص تكتبه: لقد تمكنت من الفرار من هذا القبر والتحليق إلى المكان الذي أريد في الزمن الذي أريد وبالصورة التي أفضلها أنا دون أن تعلم أيها المستبد المغفل عن أي شيء..
إذن بسبب تسلط الرجل نشأت فكرة الخداع.
وفي بعض الحالات التي تستسلم فيها المرأة لما يمليه عليها الرجل دون أي اقتناع منها, لكنها لا تستطيع مقاومة إغراء الكتابة.. لا تستطيع مقاومة ذاك البياض الذي يكسر العيون فيجبرها على تخفيف حدته بحبرها الأسود.. بدموعها..بابتساماتها..
فتكتب وتكتب نصوصا جميلة يحكم عليها بالسجن المؤبد داخل كتب وأوراق كثيرة مخبأة في صندوق مقفل داخل دولاب, فلا يصله أي بصيص من الضوء.. فتختنق النصوص وتموت ونحرم نحن من إبداعات محرم عليها رؤية النور..
قد يقرأ هذا النص صديقتها المقربة جدا أو في أفضل الحالات أختها..
إذن هذا المنع غير المبرر أوجد لدينا مشكلة.. ألا وهي مشكلة الشخصية المبهمة التي تحولت إلى مستودع من الأسرار, شخصية تعيش عالمها الخاص بعزلة تامة عن العالم الخارجي, فيصبح الأهل عاجزين عن التعامل مع ابنتهم بسبب غياب الوضوح والصراحة والتفاهم وأساليب الإقناع..

نعود لكتابة المرأة بشكل عام, قد يسأل أحدهم: لماذا تكتب المرأة..؟!
فيكون الجواب بكل بساطة ووضوح: تكتب المرأة للأسباب ذاتها التي تدفع الرجل للكتابة؛ فهي تكتب إما تعويضا لما ينقصها, أو هروبا من الواقع, أو انعكاسا للواقع (سواء كان سعيدا أم تعيسا). وهناك سؤال آخر مطروح: لمن تكتب المرأة..؟!

[طـُـرح هذا السؤال أمام كثير من الكتاب الذين أخذوا ما يعنيهم منها وهو الأثر الناتج لكتابتهم, وكان ذلك الأثر المتوقع نابع في الأصل من المحرض الأساس للكتابة؛ فإن كان المحرض ماديا صار المتلقي معلوما, وإن كان المحرض انفعاليا, لم يعد للمتلقي سوى ظلال يقيس عليها الكاتب؛ لكن المتلقي يطل على الكاتب من مسافة أبعد. وثمة اتفاق حول وجود متلق لكل كاتب, وأن الكاتب لابد وأنه مستحضر قارئا ما, ولن نساير بعض الكتاب الذين يدعون أنهم لا يكتبون إلا لأنفسهم.. فقد يكون صحيحا أن الكاتب في أغلب أحواله لا يعلم لمن يكتب على وجه الدقة والتعيين؛ لكنه بلا شك يرسم معالم القارئ الذي يمكن تسميته بالقارئ الأنموذج, وهو الذي كان الكاتب يراعي حاله في كتابته, سواء أكان قارئا ناقدا يشبه القاضي الذي يبحث عن الزلات والأخطاء ويحاسب عليها – على حد تعبير التوحيدي -، أم كان قارئا يمكن تظليله وكسب رضاه والتواصل معه بإثارة عواطفه دفعة واحدة – كما هو لدى الرومانسيين -، أم كان قارئا يمكن إيقاظ عقله وتحقيق أعلى درجات الرد والاتصال

الذي يسعى إليه. ويرى علماء النفس أن لكل كاتب قارئا يشترك معه في سماته, ويربط بينهما رابط نفسي غالبا.](2)
والمرأة تنطبق عليها كل كلمة ذكرت, إلا أنها قد تضيف متلق آخر, ألا وهو بنات جنسها التي تشعر أن لديهن أمر خاص بهن لا يمكن لأحد سوى المرأة أن تتحدث عنه بشكل جيد.
وهناك من يعتقد أنه منصف للمرأة, فيقول: إن الرجل يبدع وكذلك المرأة, إلا أن إبداع المرأة لابد وأن يتوقف عند حدود معينة.
سبحان الله كيف يكون إبداعا وهو محدود ومقيد..؟!
الإبداع كالطائر لابد وأن يكون حرا طليقا ليغرد؛ لذا حين أقرأ أي نص إبداعي لا أتصور أن هناك حدودا يمكنها تقييد الإبداع, إلا الحدود الشرعية التي لا يمكن لأي كان تجاوزها سواء كان رجلا أم امرأة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)د. عبد الله الغذامي، (المرأة واللغة؛ ص 111)
(2) أ. ناصر الحجيلان، (مذكرة فن الكتابة؛ ص 17)

27/09/2002

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s