قـ ص ـة

حيـاة

حيــــاة..
ذات يوم قـُـتل زعيم الجماعة في جريمة غامضة.. لم تبقِ تلك الجريمة من أثر يدل على فاعلها.. ولم تترك إلا دماء الزعيم أمام باب بيته، ووزعت قطرات من دمائه أمام بيوت أتباعه ومؤيديه.. كان الجميع يؤيده – سواء كان هذا التأييد ظاهريا فقط أم تأييدا حقيقيا- إلا أنا لم أكن أؤيده في كل شيء، وكنت قد أعلنت هذا في أكثر من مكان.. فكان من باب أولى أن تشير أصابع الاتهام جميعها عليّ أنا.. حينها، لم أنكر لأدافع عن نفسي، ولم أعترف لأقر بشيء لم أفعله.. وبقيت صامتة.. أنتظر الحكم الذي سيصدر في حقي.. أتأمل وجوه المفزوعين الذين فجعهم خبر مقتل الزعيم.. ووجوه الذين ينتظرون صدور الحكم ليفرحوا وتكبر فرحتهم لو نفذوا هم الحكم بأيديهم..
صدر الحكم عليّ بالإعدام.. فابتسمت لأشارك الآخرين فرحتهم بقتلي..
واختير صباح الغد موعدا لتنفيذ الحكم.. وجاء الغد مختالا يجر رداءه الذهبي ليمر على أعين الجميع فيوقظهم ويأتون راكضين دون أن يغسلوا وجوههم كي لا يفوتهم مشهد قتلي الذي طالما انتظروه.. ليغنوا ويرقصوا فرحا بموتي.. فقد تخلصوا ممن يذكرهم بالاختلاف الذي يقض مضاجعهم ويكدر صفو سعادتهم وينفض عقولهم الخاوية إلا من غبار الجهل والتبعية.
وجيء بي في ساحة الإعدام، والناس يضحكون ويهللون ويكبرون والنساء يزغردن ويتمايلن طربا.. وحين أقبل السيـّـاف عمّ المكان هدوء جميل.. حاولت أن أستمتع به في آخر لحظات حياتي..واقترب السيّاف خطوة.. خطوتان.. ثلاث، وفجأة علا صراخ عجيب..لم أفهم السبب، ولا أستطيع أن أرى أي شيء..لحظات، ثم علمت أن السياف هو من مات.. وليس أنا..وتم تأجيل الحكم إلى الغد.. وجاء الغد ومات سياف آخر.. خمسة من السيافين ماتوا.. وأنا لم أمت.أعـِـلم هؤلاء أن أجلي لم يحن بعد..؟!
عاشوا عشرة أيام بعد ذلك في حيرة وخوف.. شعروا أنني خطرة، وأن الاقتراب مني يكلف حياة.. لذا قرروا أن أ ُقتل كما قـُـتل “سقراط” بتجرع كأس من السم..شعرت بفرح كبير لأني سأموت كما مات “سقراط”.. جميل أني وضعت في موقفه ذاته..
وسأكون شجاعة كما كان..لن أتردد في شرب السم.. لن أخاف، ولن أبكي.. بل سأشرب السم بهدوء تام..وفعلت ذلك..لكني لم أمتشعرت فقط بشيء ما يخرج من رأسي ويتبخر.. أتساءل: أهو عقلي..؟ يستحيل أن يكون عقلي، فلا زال موجودا ويتساءل..تحسست وجهي الذي تحول إلى ثلاثة وجوه..وجه ماكر ينظر لما حوله بعينين حاقدتين.. ناقمتين.. تدوران بسرعة.. تبحثان عن أي شيء لتصبا نار الغضب عليه..ووجه يبتسم ابتسامة سوداء باهتة.. وعينان تنظران نظرات مكسورة.. حزينة..والوجه الأخير.. ينظر بعينين ملؤها غباء وابتسامة رضا تعلو تلك الشفاه طيلة الوقت..أكانت الفائدة من شرب السم أن أخرج بكل هذه الوجوه لأتكيف مع أمزجة الناس المتقلبة، ولأعرف كيف أتعامل معهم..؟!
لم يكن هذا هو هدفي حين وافقت على شرب السم..
كان هدفي أن أنتقل إلى ما وراء هذه الحياة وأبقى كما أنا..
11/12/2004
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s