بـ و ـح

أعذب الشعر

صورة ارتبطت بالشاعر في ذهني منذ زمن بعيد..
أرى الشاعر إنسان ملائكي, فهو مختلف عن غيره من البشر, لا يخطئ.. لا يغضب فيشتم.. لا يصدر منه إلا كل ما هو جميل، رقيق, وشاعري..
إنسان عذب اصطفي من بين الجميع ليكون شاعرا..
هل هذه الصورة حقيقة أم أنها وهم يعيش في ذهني..؟
إن كانت حقيقة لِـم تغيرت..؟ هل هو الزمن المتسارع.. زمن الماديات والمصالح المشتركة الذي فرض على الشاعر أن يودع رقته ولو مؤقتا..؟
لكن ماذا عن شعراء العصور السابقة الغير لاهثة, لم يكونوا جميعا في غاية العذوبة (كالحجاج مثلا)..؟
لا أعلم –حقيقة- ما الذي ساعد على تشكل هذه الصورة في ذهني..
ربما لاعتقادي أن الشعر يطهر الشاعر.. ينقيه.. يرتقي به إلى ما هو سامٍ، فهو يستقي شعره من قلبه الذي يصب به ينبوع من الإلهام.. أهو الإلهام الذي جعلني أشعر برقي الشاعر، لأنه درجة من درجات الوحي..
ولكن هذه الصورة بدأت تفقد تأثيرها علي.. منذ رأيت الشاعر الذي يكتب شعرا جميلا.. ساحرا، لكنه لا يسحرك بقول أو فعل.. بل يصدمك, فكيف له أن يصوغ شعرا بكل هذه الروعة.. في الليل ويأتيك في الصباح ليتصرف بتصرف لا يمت للشعر العذب بصلة؟!
ربما بدأت أفهم أن هذا الأمر لا يعد ازدواجية, وليس أمرا صادما كون الشاعر العذب ليس عذب دائما.. بدأت أفهم ذلك حين أيقنت أن بداخل كل إنسان (سواء كان شاعر أم لا) هناك شيء جميل يختزنه داخله.. وذاك الجمال بحاجة إلى يد خفية تلامسه لتبرزه..
من يا ترى يقوم بهذه المهمة لدى الشاعر..؟!
هل هو إلهام الشعر الذي يلقى في روع الشاعر.. فيجد قريحته تنساب بعذوبة بين يدينا دون أن يدرك هو السبب..؟!من هو المكلف بنقل الإلهام للشاعر..؟!
أهي الملهمة..؟!
من هي الملهمة..؟!
هي أنثى تملك وحدها ذلك التأثير العجيب على الشاعر.. وحدها التي تعرف أين يقبع الدر داخله فيهبها الشاعر أغلى لآلئه وهو يعلم أنه الرابح الأكبر.. هي وحدها التي يتحول الشاعر بين يديها إلى نبع عذوبة – حتى وإن كان أقسى رجل مع غيرها-..
لكن هل تعلم الملهمة دائما أنها تملك كل هذا التأثير على الشاعر..؟! أم أن جهلها يكون محرضا أكثر.. جهلها قد يدفع الشاعر لأن يبدع أكثر علها تشعر به، فيدفعها لأن تعجب به.. يريدها أن تشعر بذاك الذي يتفجر إبداعا لأجلها.. لأجلها وحدها..
إذن، ليس بالضرورة أن تكون الملهمة قريبة جدا من الشاعر.. قد يكون بعدها هو المحرض الأكبر.. قد يكون بعدها هو الباعث على الشعر الذي يتقاطر عذوبة مع كل حرف.. لكن ماذا لو اقتربت.. هل ستسمر كونها الملهمة أم أنها ستفقد ذاك البريق وتفسد بحضورها ذلك الشعر الجميل.. فهي لا تدرك الصورة التي يراها الشاعر بها.. هل يصل الشاعر إلى مرحلة يتمنى فيها أن ملهمته لم تقترب.. يتمنى لو أنها ظلت بعيدة..؟! لأنها كانت أجمل في خياله.. كان شوقه أجمل في انتظار ملهمة لا تأتي..
وما تأثير تلك الخيبة على شعره..؟ أيتوقف ذاك النبع الذي يصب في قلب الشاعر.. أم أن هناك ما وقع فيه فكدر مائه, ويحتاج فقط قليلا من الزمن ليعود له صفاؤه..
أيجدي ذاك الشاعر أن يبحث عن ملهمة أخرى..؟!
هل وجود الملهمة ضروري لأن تولد قصيدة..؟
وهل لكل شاعر ملهمة واحدة أم أكثر..؟!
وهل لكل قصيدة ملهمة مختلفة حسب الحالة المزاجية والنفسية للشاعر.. أم أن الملهمة هي ذاتها في كل القصائد (ليلى، ولبنى في قصائد قيس، وغيرهن…)..؟!
أم أن هذا زمن مختلف.. اختلف فيه حتى عدد الملهمات.. اختلفت أنواعهن وأشكالهن.. فالشاعر قد يمتدح في تلك القصيدة حسناء شقراء سلبت لبه.. وفي قصيدة أخرى سمراء.. أم أن هذا يعتمد على ما يراه بعينه.. من تنجح في لفت نظره وطبع صورة في الذاكرة تصلح لأن تكون ملهمة ولو مؤقتة في قصيدة عابرة..!!
أيحق لتلك الملهمة المؤقتة أن تفرح لولادة قصيدة كاملة بسببها.. أم أنها قد لا تعلم أنها حرضت شاعر لأن يتعذب وهو يشهد ولادة قصيدته.. فربما هي لا تقرأ الشعر..

هل يعني هذا أن الملهمة لابد وأن تكون حقيقية.. أم أنها شخصية خيالية تعيش في ذهن الشاعر وقلبه.. يلجأ إليها متى شاء ليبثها شعره..

ويبقى السؤال الأهم.. هل كل أنثى تصلح لأن تكون ملهمة لشاعر ما..؟!

إن كان هذا ما فعلته بي الملهمة من أنها فجرت بركان أسئلة لم ينتهِ.. فما الذي تفعله الملهمة بالشاعر..؟!

05/05/2006

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s